العز بن عبد السلام

373

شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )

وتضرّع إلى مليك وارفع قصة * الذنب في سطور المآب لعسى العفو أن يقع فيها * ويزول الجو أبرد الجواب وقال أيضا : وهو بحرم مكة - زادها اللّه شرفا - : الحمد للّه ذي القدرة التي لا تضاهى ، والحكمة التي لا تتناهى ، والقسمة التي لا يطيق خلق أن يتعداها ، الذي تعزز في أزليته فلا يعرف الأول أولا وتسرمد في أبديته فلا يعرف الآخر أخراها ، وتقدس في أحديته فلا تتخيل العقول حلّاها ، كيف تعرفه العقول ، وقد عقلها عن بلوغ مناها ، وكيف تنكره النفوس وقد ألهمها فجورها وتقواها ، وكيف يمثله الجهول وقد أعجزه عن معرفة نفسه كيف سوّاها ، وكيف تعطله الطلول وهو أغطش ليلها وأخرج ضحاها ، من ذا الذي رفع سمك السماء ، وعلى غير عمد بناها ، من ذا الذي دوّر أفلاكها ، وفي قضاء بيدي مشيئته سخرها ومشاها ، من ذا الذي سخر أملاكها ، وفي حمى حمايته حماها ، من ذا الذي قال للسموات والأرض : ائتيا طوعا أو كرها فأتت طائعة حين دعاها ، من ذا الذي يعلم خفايا الغيوب وما في طواياها ، من ذا الذي ينظر طوايا القلوب وما في زواياها ، من ذا الذي يسمع أنه العليل أو هو في علة أبداها ، من ذا الذي ينفع نملة الغليل إذا اشتكى طمأة ، من ذا الذي يرحم زلة الذليل إذا الخطب الجليل وافاه ، من ذا الذي ستر زلة الخاطئ وغطّاه ، من الذي قبل توبة العاصي ، ومن صحائف السيئات محاها ، من ذا الذي تجلى على قلوب أوليائه ومن دون الشرك جلاها ، من ذا الذي أدار كؤس محبته على ندمان حضرته فسقاها ، من ذا الذي جعل خليفته من قبضتين فهذه أسعدها وارتضاها ، وهذه أبعدها وأشقاها ، من ذا صوّرك فأحسن صورك ، ونسّق سمعك ، وبصرك ثم برحمته شملك هو على كف قدرته حملك ، وجعل على يمينك ملكا وعلى شمالك ملكا ينقلان عملك إليه في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، انظر إلى الجبال كيف أرساها ثم فناها ، ولو كان غيره ما فناها ، وانظر إلى الغياض كيف اهتزت رباها إذا هو بلطيف حكمته رباها ، وانظر إلى الأرض كيف دحاها ، ونشرها من تحت هذه البقعة الشريفة بعد ما طواها ، فسبحان من شرّف هذه البقعة واصطفاها ، وجعلها حما لمن حام حولها وحماها ، وحرما آمنا لمن وفّى ما عليه حين وافاها ، ووجهه لمن واجهها اتجاها فأراد عنده جاها ، فهي التي هاجر